ابراهيم بن عمر البقاعي
38
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
من الإلف بالحاضر معم لهم عما فيه من الزور ، والخداع الظاهر والغرور ، فقال مظهرا غير مضمر لأجل زيادة التنبيه والتحذير : وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الذي لا أعظم منه ولا مكافىء له مع ولايته لكم الْغَرُورُ * أي الكثير الغرور المبالغ فيه ، وهو الشيطان الذي لا أحقر منه ، لما جمع من البعد والطرد والاحتراق مع عداوته بما يزين لكم من أمرها ، ويلهيكم به من تعظيم قدرها ، وينسيكموه من كيدها وغدرها ، وتعبها وشرها ، وأذاها وضرها ، فيوجب ذلك لكم الإعراض عن ذلك اليوم ، فلا تعدونه معادا ، فلا تتخذون له زادا ، لما اقترن بغروره من حلم اللّه وإمهاله ، قال سعيد بن جبير رضي اللّه عنه : الغرة باللّه أن يعمل المعصية ويتمنى المغفرة . ولما كان من الأمر الواضح أن لسان حالهم بعد السؤال عن تحقق ذلك اليوم يسأل عن وقته كما مضى في غير آية ، ويأتي في آخر التي بعدها ، إما تعنتا واستهزاء وإما حقيقة ، أجاب عن ذلك ضاما إليه أخواته من مفاتيح الغيب المذكورة في حديث ابن عمر رضي اللّه عنهما الآتي ، لما في ذلك من الحكمة التي سيقت لها السورة ، مرتبا لها على الأبعد فالأبعد عن علم الخلق ، فقال مؤكدا لما يعتقدون في كهانهم مظهرا الاسم الأعظم غير مضمر لشدة اقتضاء المقام له : إِنَّ اللَّهَ أي بما له من العظمة وجميع أوصاف الكمال عِنْدَهُ أي خاصة ، ولو قيل له مثلا ما أفاد الحضور ، ولو قيل « لديه » لأوهم التعبير بلدي التي هي للحضور أن ذلك كناية عن قربها جدا ، وأوهم أن علمه تعالى يتفاوت تعلقه بالأشياء بخصوص أو عموم لأجل أن « لدى » أخص من عند فكانت عند أوفق للمراد ، فإنها أفادت التمكن من العلم مع احتمال تأخرها وسلمت من تطرق احتمال فاسد إليها عِلْمُ السَّاعَةِ أي وقت قيامها ، لا علم لغيره بذلك أصلا . ولما كان سبحانه قد نصب عليها أمارات توجب ظنونا في قربها ، وكشف بعض أمرها ، عبر تعالى بالعلم ، ولما كانوا قد ألحوا في السؤال عن وقتها ، وكانت أبعد الخمس عن علم الخلق ، وكانت شيئا واحدا لا يتجزى فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ [ النازعات : 13 ] أبرزها سبحانه في جملة اسمية دالة على الدوام والثبوت على طريق الحصر ، وهذا هو المفتاح الأول من مفاتيح الغيب ينفتح به من العلوم ما يجل عن الحصر عن قيام الأنفس بأبدانها ، ماثلة على مذاقها بجميع أركانها ، وأشكالها وألوانها ، وسائر شأنها ، وطيران الأرواح بالنفخ إليها واحتوائها عليها على اختلاف أنواعهم ، وتغاير صورهم وأطوالهم ، وتباين ألسنتهم وأعمالهم ، إلى غير ذلك من الأمور ، وعجائب المقدور ، ثم سعيهم إلى الموقف ثم وقوفهم ، ثم حسابهم إلى استقرار الفريقين في الدارين ، هذا إلى موجهم من شدة الزحام ، والكروب العظام بعضا